الشوكاني
392
فتح القدير
الآية : ولقد رأى محمد ربه عز وجل ، وقد تقدم القول في هذا في سورة النجم ( وما هو ) أي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ( على الغيب ) يعني خبر السماء وما اطلع عليه مما كان غائبا علمه عن أهل مكة ( بضنين ) بمتهم : أي هو ثقة فيما يؤدي عن الله سبحانه . وقيل بضنين ببخيل : أي لا يبخل بالوحي ، ولا يقصر في التبليغ ، وسبب هذا الاختلاف اختلاف القراء ، فقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي " بظنين " بالظاء المشالة : أي بمتهم ، والظنة التهمة ، واختار هذه القراءة أبو عبيد قال : لأنهم لم يبخلوا ولكن كذبوه . وقرأ الباقون بضنين بالضاد : أي ببخيل ، من ضننت بالشئ أضن ضنا : إذا بخلت . قال مجاهد : أي لا يظن عليكم بما يعلم بل يعلم الخلق كلام الله وأحكامه . وقيل المراد جبريل إنه ليس على الغيب بضنين ، والأول أولى ( وما هو بقول شيطان رجيم ) أي وما القرآن بقول شيطان من الشياطين المسترقة للسمع المرجومة بالشهب . قال الكلبي : يقول إن القرآن ليس بشعر ولا كهانة كما قالت قريش . قال عطاء : يريد بالشيطان : الشيطان الأبيض الذي كان يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صورة جبريل يريد أن يفتنه . ثم بكتهم سبحانه ووبخهم فقال ( فأين تذهبون ) أي أين تعدلون عن هذا القرآن وعن طاعته كذا قاله قتادة . وقال الزجاج : معناه أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم ، يقال أين تذهب ، وإلى أين تذهب ؟ وحكى الفراء عن العرب : ذهبت الشام ، وخرجت العراق ، وانطلقت السوق : أي إليها . قال : سمعناه في هذه الأحرف الثلاثة ، وأنشد لبعض بني عقيل : تصيح بنا حنيفة إذ رأتنا * وأي الأرض تذهب بالصياح تريد إلى أي الأرض تذهب ، فحذف إلى ( إن هو إلا ذكر للعالمين ) أي ما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين ، وتذكير لهم ، وقوله ( لمن شاء منكم أن يستقيم ) بدل من العالمين بإعادة الجار ومفعول المشيئة " أن يستقيم " أي لمن شاء منكم الاستقامة على الحق والإيمان والطاعة ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) أي وما تشاءون الاستقامة إلا أن يشاء الله تلك المشيئة ، فأعلمهم سبحانه أن المشيئة في التوفيق إليه ، وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله وتوفيقه ، ومثل هذا قوله سبحانه - وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله - وقوله - ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله - وقوله - إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء - والآيات القرآنية في هذا المعنى كثيرة . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله ( إذا الشمس كورت ) قال : أظلمت ( وإذا النجوم انكدرت ) قال : تغيرت . وأخرج ابن أبي حاتم والديلمي عن أبي مريم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في قوله ( إذا السماء كورت ) قال : كورت في جهنم ( وإذا النجوم انكدرت ) قال : انكدرت في جهنم ، فكل من عبد من دون الله فهو في جهنم ، إلا ما كان من عيسى وأمه ، ولو رضيا أن يعبدا لدخلاها . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي العالية قال : ست آيات من هذه السورة في الدنيا ، والناس ينظرون إليها ، وست في الآخرة ( إذا الشمس كورت ) إلى ( وإذا البحار سجرت ) هذه في الدنيا والناس ينظرون إليها ( وإذا النفوس زوجت ) إلى ( وإذا الجنة أزلفت ) هذه في الآخرة . وأخرج ابن أبي الدنيا في الأهوال وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب قال : ست آيات قبل يوم القيامة بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس ، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت واختلطت ، ففزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن ، واختلطت الدواب والطير والوحش فماجوا بعضهم في بعض ( وإذا الوحوش حشرت ) قال : اختلطت ( وإذا العشار عطلت ) قال : أهملها أهلها ( وإذا البحار سجرت ) قال : الجن